مقالات

زلزال سياسي في ألمانيا

زلزال سياسي في ألمانيا

 

لم يكن فوز «البديل من أجل ألمانيا» في انتخابات ولاية ساكسونيا أنهالت مجرد انتصار انتخابي جديد لحزب يميني متطرف في إحدى ولايات شرق ألمانيا، وإنما كان زلزالًا سياسيًا ألمانيًا تتجاوز تداعياته حدود الولاية بكثير. فالحزب الذي ظل لعقود بعد الحرب العالمية الثانية خارج دائرة الأحزاب القادرة على الوصول إلى الحكم، بات اليوم القوة السياسية الأولى في ساكسونيا أنهالت، بعد أن حصل على أكثر من 44 في المائة من الأصوات، بينما انهار الاتحاد الديمقراطي المسيحي إلى نحو 17 في المائة، بعدما كان قد حصل على 37 في المائة في انتخابات 2021.
الأهم من ذلك أن «البديل» لم يفز في انتخابات منخفضة المشاركة أو نتيجة انكفاء الناخبين عن صناديق الاقتراع. فقد بلغت المشاركة نحو 76 في المائة، بزيادة كبيرة عن الانتخابات السابقة. أي أن ما حدث ليس مجرد احتجاج انتخابي عابر، وإنما تعبير عن تحول حقيقي في الخريطة السياسية للولاية وعن قدرة اليمين المتطرف على حشد الناخبين في انتخابات شارك فيها عدد كبير منهم. وهذه الحقيقة تجعل قراءة النتائج بوصفها شأنًا خاصًا بألمانيا الشرقية قراءة قاصرة.
صحيح أن ساكسونيا أنهالت تختلف اجتماعيًا واقتصاديًا وسياسيًا عن الولايات الغربية، وأن للولايات الشرقية تاريخًا خاصًا منذ إعادة توحيد ألمانيا، إلا أن المشكلة بالنسبة إلى الاتحاد الديمقراطي المسيحي وفريدريش ميرتس هي أن «البديل» لم يعد قوة هامشية يمكن احتواؤها بالحديث عن خصوصية الشرق. فقد أصبح الحزب منافسًا مباشرًا على قيادة السياسة الألمانية، وتظهر استطلاعات الرأي الوطنية الأخيرة أن تقدمه لم يعد مقصورًا على الولايات التي يتمتع فيها تقليديًا بنفوذ قوي.
وهنا تحديدًا تكمن المفارقة الأكثر إيلامًا بالنسبة إلى ميرتس. فقد دخل المستشار الألماني الحياة السياسية على وعد بأن يستطيع الاتحاد الديمقراطي المسيحي، من خلال تبني سياسات أكثر تشددًا في الهجرة والأمن والهجرة غير النظامية، استعادة جزء من الناخبين الذين انتقلوا إلى «البديل». وكان المنطق واضحًا: إذا أصبحت أحزاب الوسط واليمين التقليدي أكثر تشددًا في الملفات التي يستثمر فيها اليمين المتطرف، فسوف يفقد الأخير جزءًا من جاذبيته.
لكن انتخابات ساكسونيا أنهالت قدمت دليلًا معاكسًا. فقد خسر الاتحاد الديمقراطي المسيحي بصورة قاسية، بينما تضاعفت تقريبًا حصة «البديل» مقارنة بنتيجته السابقة. والنتيجة أن السياسة التي كان يفترض أن تضعف اليمين المتطرف لم تفعل ذلك، وربما ساعدت، من حيث لا تريد، في جعل قضاياه أكثر مركزية في النقاش العام. وهذا ما يجعل هزيمة ميرتس سياسية بقدر ما هي هزيمة انتخابية.
لقد حاول ميرتس أن يجعل من مواجهة «البديل» أحد العناوين الرئيسية لسياسته، لكنه يواجه الآن السؤال الأصعب: ماذا يفعل عندما لا تنجح محاولة سحب الناخبين من اليمين المتطرف، بينما يخسر حزبه في الوقت نفسه جزءًا من هويته السياسية التقليدية؟ فإذا واصل الاتحاد الديمقراطي المسيحي التحرك نحو اليمين، فإنه يخاطر بتطبيع الخطاب الذي يستخدمه «البديل» وبمنحه شرعية سياسية أكبر. وإذا عاد إلى الوسط، فإنه يخشى أن يترك مساحة أوسع للحزب المتطرف.
وهذه هي المعضلة الكبرى التي ستواجه السياسة الألمانية خلال السنوات المقبلة: كيف يمكن إضعاف «البديل» من دون التحول إلى نسخة أكثر اعتدالًا منه؟
حتى الآن، كانت الإجابة الألمانية تقوم على ما يعرف بـ«الجدار الناري»، أي رفض الأحزاب الرئيسية الدخول في تحالفات أو ترتيبات سياسية مع «البديل». وكان هذا المبدأ جزءًا أساسيًا من ثقافة الجمهورية الاتحادية بعد الحرب العالمية الثانية، في ضوء التجربة النازية وما تركته من حساسية استثنائية تجاه اليمين القومي المتطرف. لكن فوز البديل في ساكسونيا أنهالت وضع هذا الجدار أمام أصعب اختبار له منذ تأسيس الجمهورية الاتحادية.
فالحزب حصل على 44 في المائة تقريبًا، واقترب من الأغلبية المطلقة، بينما لا تستطيع الأحزاب الأخرى تشكيل حكومة مستقرة بسهولة من دونه. بل إن الاتحاد الديمقراطي المسيحي نفسه خسر أكثر من نصف أصواته السابقة تقريبًا. وفي الوقت نفسه، ترفض الأحزاب التقليدية التعاون مع «البديل». وهكذا أصبح السؤال ليس ما إذا كان «البديل» هو القوة الأولى، فقد حُسم هذا السؤال، وإنما ما إذا كان يمكن منع القوة الانتخابية الأولى من تحويل فوزها إلى سلطة تنفيذية.
وهذا سؤال خطير لأن استمرار عزل الحزب سياسيًا قد يصبح، مع مرور الوقت، أكثر صعوبة. فكلما ارتفعت نسبته الانتخابية، أصبحت الحكومات التي تستبعده أكثر تعقيدًا، وكلما زادت صعوبة تشكيل الحكومات بدونه، أصبح «الجدار الناري» نفسه موضوعًا للصراع السياسي. وقد يدفع ذلك بعض الناخبين إلى النظر إليه لا بوصفه حزبًا احتجاجيًا وإنما بوصفه حزبًا يمكن أن يحكم، وهو تحول بالغ الأهمية في سيكولوجية التصويت.
ولا ينبغي في المقابل الوقوع في الخطأ المعاكس والقول إن ألمانيا أصبحت دولة يحكمها اليمين المتطرف. فالبديل لم يحصل على أغلبية مطلقة، وما زالت غالبية الأحزاب ترفض التعاون معه، ولذلك فإن فوزه الانتخابي لا يعني تلقائيًا وصوله إلى السلطة في ماغديبورغ. لكن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في تشكيل الحكومة الحالية، بل في أن يصبح وجود حزب متطرف بهذه القوة أمرًا طبيعيًا ومستقرًا في الحياة السياسية الألمانية.
وإذا حدث ذلك، فسوف تتغير طبيعة المنافسة السياسية. فبدل أن تدور الانتخابات حول الاختلاف بين الديمقراطيين المسيحيين والاشتراكيين الديمقراطيين والخضر والليبراليين واليسار، ستدور بصورة متزايدة حول سؤال أكثر حدة: هل ينبغي السماح لليمين المتطرف بالمشاركة في الحكم أم لا؟ وحين يصبح هذا هو السؤال المركزي، فإن «البديل» يربح حتى عندما لا يدخل الحكومة، لأنه يكون قد نجح في إعادة تعريف أجندة السياسة الألمانية.
وهنا تبرز مسؤولية الأحزاب الديمقراطية التقليدية. فمواجهة اليمين المتطرف لا يمكن أن تعتمد فقط على التحذير من تاريخه وأفكاره، رغم أهمية ذلك، ولا على إقامة جدار مؤسسي حوله. المطلوب هو معالجة الأسباب التي تدفع ملايين الناخبين إلى التصويت له. فهناك قلق حقيقي بشأن الهجرة والاندماج، وهناك إحباط اقتصادي في أجزاء من ألمانيا، وهناك مخاوف من تراجع القدرة الصناعية والتنافسية، وهناك شعور في مناطق من الشرق بأن مشروع الوحدة الألمانية لم يحقق المساواة الكاملة في المكانة والفرص.
لكن الأخطر هو أن تتحول هذه المخاوف المشروعة إلى أرضية دائمة للسياسات القومية والإقصائية. وهنا يتعين على الأحزاب الديمقراطية أن تقدم بدائل حقيقية لا مجرد تحذيرات من «البديل». فالناخب الذي يصوت لحزب متطرف بسبب قلقه من الهجرة لن يتراجع بالضرورة عن التصويت له إذا قيل له فقط إن الحزب متطرف. وإنما يحتاج إلى سياسة هجرة أكثر تنظيمًا وفاعلية، وإلى دولة أكثر قدرة على حماية الحدود وتطبيق القانون، وإلى سياسة اندماج أكثر نجاحًا، وإلى إجابات اقتصادية مقنعة.
وتزداد أهمية هذه المسألة بالنسبة إلى ميرتس شخصيًا. فقد كان رهانه السياسي قائمًا إلى حد كبير على قدرته على إعادة بناء شعبية الاتحاد الديمقراطي المسيحي وعلى إثبات أن اليمين التقليدي يستطيع احتواء اليمين المتطرف. أما الآن، وبعد هزيمة ساكسونيا أنهالت، فإن خصومه داخل الحزب سيطرحون السؤال حول جدوى هذا النهج، وحول ما إذا كان ميرتس نفسه أصبح عبئًا انتخابيًا بدل أن يكون رافعة لحزبه. وقد أشارت تحليلات ألمانية إلى أن نسبة كبيرة من الناخبين رأت أن ميرتس أضر بأداء الاتحاد الديمقراطي المسيحي في الانتخابات.
وهذا لا يعني بالضرورة أن حكومة ميرتس ستسقط أو أن الاتحاد الديمقراطي المسيحي سيغير قيادته قريبًا. بل قد يكون العكس هو الأرجح، لأن انتخابات مبكرة على المستوى الاتحادي قد تؤدي في الظروف الحالية إلى تعزيز «البديل» أكثر. لكن النتيجة تعني أن ميرتس دخل مرحلة جديدة من ولايته، مرحلة سيكون فيها مطالبًا بإثبات قدرته على استعادة ثقة الناخبين من دون التضحية بالخطوط الحمراء التي تفصل حزبه عن اليمين المتطرف.

 الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في تشكيل الحكومة الحالية، بل في أن يصبح وجود حزب متطرف بهذه القوة أمرًا طبيعيًا ومستقرًا في الحياة السياسية الألمانية

أما على المستوى الأوروبي، فإن صعود «البديل» يحمل تداعيات لا تقل أهمية. فألمانيا ليست دولة أوروبية عادية، وإنما القوة الاقتصادية والسياسية المركزية في الاتحاد الأوروبي. وأي تحول كبير في سياستها الداخلية سيؤثر في الهجرة والسياسة الأوروبية المشتركة والدفاع والعلاقات مع الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا. كما أن زيادة نفوذ اليمين المتطرف الألماني ستعزز الأحزاب القومية في دول أوروبية أخرى، بما قد يغير التوازن السياسي داخل الاتحاد الأوروبي.
ومن هنا ينبغي ألا يُنظر إلى انتخابات ساكسونيا أنهالت بوصفها انتصارًا لحزب ألماني في ولاية ألمانية. إنها علامة على أزمة أوسع تصيب الأحزاب التقليدية الأوروبية: أزمة الثقة، وأزمة التمثيل، وأزمة القدرة على التعامل مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية والهوياتية التي أعادت تشكيل المجتمعات الأوروبية.
لقد كان نجاح الديمقراطية الألمانية بعد الحرب قائمًا على قدرتها على بناء نظام سياسي يمنع عودة التطرف إلى قلب الدولة. أما التحدي اليوم فهو مختلف. فالتطرف لم يعد يقف خارج المؤسسات، وإنما يدخل إليها من خلال صناديق الاقتراع. ولهذا فإن السؤال الأهم ليس فقط كيف تمنع ألمانيا «البديل» من تشكيل حكومة في ساكسونيا أنهالت، وإنما كيف تمنع تحول الحزب إلى القوة الطبيعية البديلة عن الأحزاب الديمقراطية التقليدية.
فاليمين المتطرف لا يحتاج إلى السيطرة على الدولة حتى يغيرها. يكفي أن يصبح قويًا إلى الحد الذي يجبر بقية الأحزاب على إعادة تعريف سياساتها استجابة لضغوطه. وإذا استمر هذا المسار، فإن الخطر على الديمقراطية الألمانية لن يكون بالضرورة في وصول «البديل» إلى المستشارية في انتخابات قريبة، وإنما في إعادة تشكيل المجال السياسي الألماني تدريجيًا حول أفكار اليمين القومي، بحيث تصبح القضايا التي كانت في السابق هامشية جزءًا من التيار الرئيسي.
وهذا هو الدرس الأهم من ساكسونيا أنهالت: لقد نجح «البديل من أجل ألمانيا» في تجاوز مرحلة الاحتجاج، وأصبح قوة انتخابية رئيسية. والمهمة الآن تقع على عاتق الأحزاب الديمقراطية، وعلى رأسها الاتحاد الديمقراطي المسيحي، لكي تثبت أن لديها القدرة على تجديد نفسها، ومعالجة مخاوف المواطنين، واستعادة ثقتهم، من دون الانجرار إلى تبني منطق اليمين المتطرف. وإذا فشلت في ذلك، فإن انتصار «البديل» في ساكسونيا أنهالت قد لا يبقى استثناءً شرق ألماني، وإنما يصبح مقدمة لتحول أعمق في السياسة الألمانية بأكملها.

كاتب مصري

القدس العربي

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب