تحقيقات وتقارير

هل تلعب إسرائيل ورقة سبتة ومليلية المحتلتين لمهاجمة إسبانيا؟

هل تلعب إسرائيل ورقة سبتة ومليلية المحتلتين لمهاجمة إسبانيا؟

حسين مجدوبي

يبدو أن أطرافا إسرائيلية تريد تحريك ملف سبتة ومليلية ليس لدعم المغرب بل للتضييق على إسبانيا بسبب مواقفها من فلسطين والحرب ضد إيران.

 كلما اندلع نزاع في الشرق الأوسط، عادة ما تتساءل الدبلوماسية والاستخبارات والمؤسسة العسكرية الإسبانية عن تأثيرات ذلك على العلاقات المغربية-الإسبانية وخاصة الملف الاستعماري سبتة ومليلية. وتزيد وسائل الإعلام في هذا البلد الأوروبي ومؤخرا اليمين القومي المتطرف من تضخيم النقاش. وهذا ما يحدث، أو بالأحرى يتكرر حاليا في الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، حيث طفت إلى السطح أصوات إسبانية عن مدى دعم الكيان الإسرائيلي للرباط في حالة اندلاع نزاع حول المدينتين.
وخلال الحرب الغربية ضد العراق سنة 1991، كان الرئيس العراقي صدام حسين قد ألمح في بعض تصريحاته إلى ضرورة تحرير العالم العربي، مشيرا إلى سبتة ومليلية. ومباشرة بعدها، وخوفا من مغامرة مغربية ضد المدينتين المحتلتين، نشرت جريدة «الباييس» تسريبا لوثيقة لوزارة الدفاع الإسبانية تنص على خطة عسكرية للرد على المغرب في حالة اقتحام سبتة ومليلية. وتجلت في محاولة ضرب أو السيطرة على بنيات تحتية مهمة في مدن مثل طنجة والدار البيضاء وأكادير. ومع مرور الوقت لم تعد هذه الوثيقة صالحة بحكم تراجع قوة الردع الإسباني أمام تسلح المغرب خلال العقدين الأخيرين.
والمخططات العسكرية لمواجهة المغرب ليست بالمفاجئة، فتاريخيا، قامت العقيدة العسكرية في هذا البلد الأوروبي على اعتبار المغرب هو مصدر الخطر على الأمن القومي الإسباني. وعليه، يحتل المغرب مكانة رئيسية في أجندة الدبلوماسية والاستخبارات والجيش في إسبانيا، ويحضر عند كل أزمة دولية. ورغم فترات الحوار بين الرباط ومدريد، يستمر غياب الثقة خاصة من الجانب الإسباني تجاه المغرب قائما، وهذا بشهادة استطلاعات الرأي ومختلف الكتابات لاسيما من طرف العسكريين. في هذا الصدد، أوردت جريدة «إسبانيول» منذ أسبوعين نتائج استطلاع رأي أن الإسبانيين يعتبرون المغرب ثاني دولة تهدد أمنهم القومي بعد روسيا. ويمكن فهم اختيار روسيا بحكم الحرب ضد أوكرانيا علاوة على التقارير العسكرية التي تتحدث عن فرضية وقوع حرب بين روسيا وأوروبا سنة 3023، وسعي الأوروبيين إلى التسلح، لكن في حالة المغرب لا يمكن فهم اختياره في المركز الثاني سوى بسبب الأحكام المسبقة نظرا لثقل التاريخ الشائك بين البلدين. وفي سياق التخوف من المغرب، كشف كشف استطلاع آخر للرأي خلال تشرين الثاني/نوفمبر الماضي من إنجاز مؤسسة معهد الأبحاث الاجتماعية، وهو معهد رسمي عمومي، أن أكثر من 42 في المئة من الإسبان يعتبرون وقوع حرب ضد المغرب وارد جدا بسبب المشاكل القائمة مثل سبتة ومليلية.
ويُضاف إلى كل هذا، الدور المتنامي الذي بات يلعبه حزب فوكس اليميني القومي المتطرف، تركيزه المتزايد على هذه القضايا. فقد تحول الحزب إلى آلة تغذي الخوف من المغرب. كما يبرز مستجدّ لافت يتمثل في انخراط عدد من قادة الجيش المتقاعدين، ومعظمهم من الجنرالات الذين تولوا رئاسة الأركان المشتركة، في هذا النقاش من خلال تأليف كتب وإلقاء محاضرات يُحذّرون فيها من احتمال اندلاع حرب مستقبلية مع المغرب. وهكذا، بعد اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، عاد ملف سبتة ومليلية إلى الواجهة وتشكل هذه الحرب فرصة لانتعاش هذه الأطروحات، وذلك لاعتبارين رئيسيين:
أولًا، موقف مدريد الرافض للحرب الأمريكية على إيران، حيث يتم اعتبار رئيس الحكومة بيدرو سانشيز بوصفه أحد أبرز قادة جبهة الرفض الأوروبية والدولية لهذه الحرب، بما في ذلك رفض تقديم دعم عسكري للبنتاغون، مثل منعه استخدام قاعدة روتا الأمريكية في أقصى جنوب إسبانيا في العمليات العسكرية ضد إيران. ونتج عن الموقف الإسباني، تهديد واشنطن بسحب جنودها من إسبانيا علاوة على ظهور مقالات توحي بأن البنتاغون قد ينسحب من قاعدة روتا ويراهن على قاعدة في الأراضي المغربية. ووسط هذا الجدل، أكد مايكل روبين وهو مستشار سابق للبنتاغون في تصريحات له خلال آذار/مارس الماضي نقلتها جريدة «لاراثون» الإسبانية «ينبغي على ترامب ووزير الخارجية ماركو روبيو تصحيح خطأ تاريخي آخر والاعتراف رسمياً بأن سبتة ومليلية أراضٍ مغربية محتلة: مبرزا ضرورة مساعدة المغرب على استعادتهما لأنه حليف قوي».
ثانيا، في إطار حملتها ضد إسبانيا بسبب الموقف ضد الحرب من إيران وخاصة بسبب موقف مدريد من الحرب ضد قطاع غزة واعتبار ذلك بمثابة حرب ضد الإبادة، تقوم إسرائيل بالترويج لأطروحات إعلامية بطريقة أو أخرى منها أن تل أبيب قد تكشف عن مضمون ما يفترض ما حصلت عليه شركة بيغاسوس من أسرار من خلال التجسس على هاتف رئيس الحكومة بيدرو سانشيز.
في الوقت ذاته، توحي بأن إسرائيل مستعدة كل الاستعداد لدعم المغرب في استعادة سبتة ومليلية من الاستعمار الإسباني. وهذه النقطة الأخيرة هي التي جعلت الإعلام والطبقة السياسية في إسبانيا تهتم بموضوع سبتة ومليلية مجددا، وتتساءل هل إسرائيل قد تستخدم هذا الملف للانتقام من إسبانيا بسبب مواقفها. وقد نشرت الصحافة المقربة من اليمين القومي مثل «ليبرتاد ديجيتال» هذا الأسبوع مقالا بعنوان «الإعلام الإسرائيلي يلمح إلى إمكانية دعم ترامب ونتنياهو للمغرب في ملف سبتة ومليلية»، وهي نقلت ما نشره موقع «ينيت غلوبال» بالانكليزي (تابع لأديعوت أحرنوت) باستعداد إسرائيل دعم المغرب في استعادة سبتة ومليلية. وجاء في جريدة «ناسيونال»: «نائبة برلمانية من سبتة تتحدث عن إمكانية خلق واشنطن وإسرائيل مشاكل لإسبانيا في سبتة ومليلية بدعم موقف المغرب».
ووسط ارتفاع الجدل، أكدت سفيرة إسرائيل في إسبانيا، دانا إيرليش، الأربعاء من الأسبوع الجاري في ندوة في مدريد أن إسرائيل «لا تفكر» في دعم مطالب المغرب بشأن مدينتي سبتة ومليلية، لأن هذه المسألة «ليست ذات أهمية» في الوقت الحالي بالنسبة لحكومة بنيامين نتنياهو. وحاولت التقليل من التوتر القائم بين تل أبيب ومدريد قائلة «إسبانيا حليف لإسرائيل في العديد من المحافل الدولية، والتهديدات التي تواجهها إسبانيا وإسرائيل متشابهة، ولهذا فإننا نتعجب كثيرًا من أن الحكومة الإسبانية لا تنظر إلينا كحليف».
في غضون ذلك، رغم تجميد المغرب ملف سبتة ومليلية بحكم الأولوية لنزاع الصحراء لاسيما بعد موقف إسبانيا دعم الحكم الذاتي حلا للنزاع، يبدو أن أطرافا إسرائيلية تريد تحريك ملف سبتة ومليلية ليس لدعم المغرب بل للتضييق على إسبانيا بسبب مواقفها من فلسطين والحرب ضد إيران.

 ـ «القدس العربي»

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب