الهجرة الطوعية عبر خديعة سياسية برعاية دولية

الهجرة الطوعية عبر خديعة سياسية برعاية دولية
بقلم: المحامي علي أبو حبلة –
وسط مشهد إنساني كارثي في غزة، ومع تصاعد العدوان الإسرائيلي، خرج علينا بيان نيويورك الذي وُقّع من قِبل دول عربية وإسلامية إلى جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ليشكل نقطة انعطاف خطيرة في مسار القضية الفلسطينية. لم يطالب البيان بوقف إطلاق النار، ولم يُدن جرائم الحرب الإسرائيلية، بل حمل في طيّاته ما هو أخطر: تحميل المسؤولية لحماس، والمطالبة بنزع سلاحها ومغادرتها القطاع. ومن هذا المدخل، يُعاد إحياء مشروع قديم جديد تحت غطاء “الهجرة الطوعية”، في محاولة لتفريغ غزة وفرض واقع ديموغرافي جديد، تسوّق له القوى الكبرى وبعض الأطراف الإقليمية تحت لافتة “الحل الإنساني”.
خديعة تاريخية جديدة على نهج وعد بلفور
ما نشهده اليوم يعيد إلى الأذهان مشاهد خديعة وعد بلفور 1917، حين مُنحت أرض فلسطين ظلماً لمن لا يملكها، وما تبعها من مشاريع مثل “خارطة الطريق” 2003، و”الرباعية الدولية”، و”صفقة القرن”، والتي جميعها حاولت تطويق القضية الفلسطينية وتفريغها من مضمونها التحرري.
اليوم، يُروَّج لنسخة جديدة من هذه المشاريع، عبر بيان نيويورك، الذي يعيد إنتاج الرؤية الأمنية الإسرائيلية بحُلّة عربية، ويمنح غطاءً دولياً لفرض شروط تهدف إلى نزع سلاح المقاومة وتفريغ غزة من سكانها، على مراحل وتحت غطاء “إنساني”.
وفي هذا السياق، حذّر مسؤولين فلسطينيين > “أي مبادرة دولية لا تنطلق من إنهاء الاحتلال وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، تصبح غطاءً لاستمرار العدوان وتكريس الاحتلال.”
كما شدد عضو بارز في اللجنة المركزية لحركة > “المخطط الأمريكي الإسرائيلي واضح؛ لا دولة ولا سيادة بل حكم ذاتي مقيّد، تحت عناوين مغرية كالسلام والاستقرار.”
الهجرة الطوعية: عنوان إنساني لمخطط تطهير ناعم
ما يُسمى بـ”الهجرة الطوعية” ليس خياراً حراً بل نتيجة ضغوط مركّبة: القصف، الجوع، الحصار، وانهيار الخدمات. حين يُجبر المواطن على مغادرة أرضه للبقاء على قيد الحياة، فإن ذلك ليس طوعاً بل تهجير قسري مغلف بمفردات ناعمة.
إن المادة (49) من اتفاقية جنيف الرابعة تُحرّم صراحة النقل القسري الجماعي للسكان المدنيين تحت الاحتلال. كما أن أي عمليات إجلاء جماعي بدون موافقة حقيقية وحرّة، تُعد جريمة حرب بموجب القانون الدولي.
خطط دايتون والرباعية وصفقة القرن: الأرضية التمهيدية للمشروع
لم تأت هذه المخططات من فراغ. فقد مهّد لها مسار طويل من البرامج الدولية التي اختزلت القضية الفلسطينية إلى ملف أمني:
خطة دايتون 2005 التي ركزت على إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية الفلسطينية لتخدم “الاستقرار” وتمنع المقاومة.
خارطة الطريق التي فرضت على الفلسطينيين نزع سلاحهم قبل الحديث عن الدولة.
بيان الرباعية الدولية 2003 الذي نص على “وقف العنف ونزع سلاح الجماعات المسلحة كشرط لأي تقدم”.
وأخيراً صفقة القرن (2020) التي ربطت التنمية الاقتصادية في غزة بـ”إنهاء سلطة حماس ونزع سلاحها”، ووعدت بدولة فلسطينية “منزوعة السيادة”.
كل هذه الخطط تلتقي في رؤية واحدة: السلام مقابل الاستسلام، والدولة مقابل نزع الكرامة والسيادة.
نتوجه للقيادة الفلسطينية ونحذر : لا تنخدعوا بالعناوين البراقة
تُطرح اليوم مبادرات دولية وإقليمية تتحدث عن “الاعتراف بالدولة الفلسطينية”، ولكن وفق شروط تُفرغ هذا الاعتراف من مضمونه. دولة بلا سيادة، بلا حدود، بلا جيش، بل بحكم ذاتي وظيفي ملحق بالاحتلال.
وهنا، نرفع صوت التحذير إلى القيادة الفلسطينية:
لا تنخدعوا بالمظاهر الدبلوماسية.
لا تُستدرجوا لقبول حلول ظاهرها وطني وباطنها تصفوي.
لا تقعوا في فخ الاعتراف الدولي الصوري الذي يُراد له أن يكون ثمناً للتنازل عن الأرض والعودة والسيادة.
وقد عبّر عن هذه المخاوف العديد من المسؤولين الفلسطينيين بالقول:> “لا يجوز أن نُخدع ببريق الاعتراف الرمزي، بينما يجري تفريغ المشروع الوطني من مضمونه الحقيقي.”
التهديدات الاستراتيجية
- تفريغ غزة ديموغرافياً لصالح مشروع أمني إسرائيلي طويل الأمد.
- تحويل النضال الفلسطيني إلى مسألة أمنية داخلية تُدار دولياً.
- إعادة تعريف الهوية الوطنية الفلسطينية عبر عزل غزة وتمييع حق العودة.
- إضعاف البعد العربي والإسلامي للقضية الفلسطينية عبر مواقف عربية متواطئة أو صامتة.
نداء باسم المجتمع المدني والقوى الوطنية
باسم القوى الوطنية الفلسطينية، ومؤسسات المجتمع المدني، وجموع المثقفين والناشطين، يتم رفع النداء العاجل إلى القيادة الفلسطينية، وإلى الشعوب الحرة، وإلى كل من تبقى له ضمير في هذا العالم:
لا تقبلوا بأي تسوية تُبنى على تهجير شعبنا تحت مسمى “الطوعية”.
لا تسمحوا لبيانات نيويورك أو غيرها أن تُمثّل الشرعية الفلسطينية.
تمسكوا بثوابتنا: التحرير، العودة، السيادة، والكرامة.
تحركوا على كل المستويات: القانونية، الإعلامية، الجماهيرية، والدبلوماسية لإسقاط هذا المخطط.
شكلوا جبهة رفض وطنية موحدة تُفشل المشروع، وتعيد الاعتبار للقضية الفلسطينية العادلة.
إن فلسطين ليست سلعة تفاوض، ولا ملفاً إنسانياً، بل قضية تحرر وحق تاريخي لا يُقايض ولا يُباع.
وإن صمتت العواصم، فإن غزة ستبقى تنطق بالحق، وتقاوم بصبرها ودمها وكرامتها ومعها الضفة الغربية والقدس وكل أبناء الشعب الفلسطيني وفي كافة أماكن تواجدهم




