«رحلة البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو»: امتداد معاصر لروح الواقعية الجديدة

«رحلة البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو»: امتداد معاصر لروح الواقعية الجديدة
فايزة هنداوي
القاهرة ـ كثيرا ما تكون الأفلام الأكثر تأثيرًا، هي التي تنبع من حياة الناس التي تبدو عادية، ولكنها محملة بكثير من التفاصيل والأحلام البسيطة، وهو ما ينطبق على فيلم «رحلة البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو»، حيث يقدم لنا المخرج خالد منصور حكاية تبدو بسيطة عن الشاب «حسن» وعلاقته بالكلب «رامبو»، لكنها في أبعادها الأعمق، عن صراع البقاء والبحث عن الأمان في شوارع القاهرة القاسية.
من خلال الاهتمام بالتفاصيل الصادقة وحياة البسطاء، يفتح الفيلم حوارًا جديدًا مع إرث سينمائي مهم، هو تيار الواقعية الجديدة في السينما المصرية، الذي أرسى قواعده عمالقة مثل محمد خان وعاطف الطيب وداوود عبد السيد، وخيري بشارة، هذا التيار بدأ في الظهور في أواخر السبعينيات، وازدهر في الثمانينيات، فكان بمثابة ضمير حي للمجتمع المصري في ذلك الوقت.
سينما هذا التيار تركت أستوديوهات التصوير المجهزة، ونزلت إلى الشارع الحقيقي واهتمت بتسليط الضوء على حياة العاديين والمهمشين – من سائق الحافلة والعامل البسيط إلى نساء الأحياء الشعبية والجندي المغيب – ورصدت صراعاتهم اليومية، وأحلامهم المكسورة، ومقاومتهم الصامتة في مواجهة التحولات الاقتصادية والاجتماعية القاسية، لتخلق أفلامًا لا تزال تنبض بالحياة وتشهد بصدق على زمنها.
واليوم، يأتي فيلم منصور، ليتحاور مع هذا التيار، مستلهمًا روحه ومقدمًا إجاباته الخاصة على أسئلة الأمس واليوم.
المدينة كشخصية:
روح المكان بين الأمس واليوم
أول ما يربط «رامبو» بالسينما الواقعية، هو نظرته للمكان، باعتباره جزءا من أزمة البطل، ويشكل حصارًا نفسيًا يطبق على سكانه، ويؤسس المخرج هذا الشعور عبر الشقة الضيقة والجدران التي تبدو وكأنها ستطبق على البطل، لتؤكد انعدام الخيارات المتاحة أمامه. وعندما يأخذنا الفيلم إلى شوارع القاهرة، لا نجد اتساعًا، بل نكتشف أن كل زاوية ومنعطف هي جدار جديد في سجن غير مرئي، حيث يتحول الفضاء العام إلى ساحة مراقبة خانقة. هكذا يصبح المكان نفسه خصمًا عنيدًا وصامتًا، يشارك في دفع الأحداث ويجعل من رحلة البحث عن «منفذ» صراعًا ماديًا ونفسيًا، بفعل زايا التصوير والإضاءة.
هذه العلاقة العضوية بين الشخصية والمكان هي توقيع أصيل لسينما الواقعية الجديدة، كما في «أحلام هند وكاميليا» عندما جعل محمد خان من أحياء القاهرة الشعبية مسرحًا حقيقيًا لأحلام امرأتين بسيطتين، فكانت البيئة جزءًا من مصيرهما، كذلك حول داود عبد السيد «الكيت كات» إلى عالم كامل، له أساطيره وشخصياته التي تذوب فيه حتى تصبح جزءًا من نسيجه. يرث «رامبو» هذا الوعي بأهمية المكان، لكنه يضيف إليه إحساسًا معاصرًا بالاغتراب؛ فحتى داخل هذا النسيج الاجتماعي المتشابك، يشعر «حسن» بالوحدة، وبأن عالمه الصغير المتمثل في علاقته بكلبه مهدد بالانهيار في أي لحظة.
لغة الكاميرا: من المراقبة الصادقة
إلى المعايشة القلقة
يتجلى الحوار بين الأجيال في لغة الكاميرا ذاتها، اختار خالد منصور الكاميرا المحمولة، التي تهتز مع أنفاس بطلها وتتعثر في خطواته، وتعكس حالة الشخصية الداخلية. الكاميرا غير ثابتة لأن حياة «حسن» نفسها تفتقر إلى أي ثبات، إنها كاميرا ذاتية، تضعنا داخل منظور البطل وتجعلنا نشعر بقلقه.
هنا يظهر تطور عن سينما الرواد، فعلى الرغم من أن محمد خان كان سيد الكاميرا المتحركة، إلا أن عدسته كانت غالبًا ما تحتفظ بمسافة الملاحظ الذكي، تراقب الشخصيات وتلتقط تفاعلاتها ببراعة، أما كاميرا منصور في «رامبو»، فهي تتجاوز المراقبة إلى المعايشة، وتلغي المسافة بيننا وبين «حسن»، وهو ما حققته كاميرات الديجيتال، لنصبح شركاء في رحلته. كما أن الفيلم يتجنب التجميل البصري، معتمدًا على الإضاءة الطبيعية وأصوات الشارع الحقيقية، في التزام بالواقعية ورثه مباشرة عن أساتذة هذا التيار الذين بحثوا عن الحقيقة في تفاصيلها البسيطة.
أبطال بلا أمجاد
حسن ليس بطلا أسطوريا، بل هو شاب عادي، طموحاته متواضعة، وحياته تدور في فلك ضيق. بطولته الحقيقية تكمن في تمسكه بآخر معاقل إنسانيته: حبه لكلبه. في عالم مادي قاسٍ، يصبح «رامبو»، هو قضية «حسن» الكبرى ودافعه الوحيد للمقاومة.
هذا النموذج من «البطل العادي» هو صلب سينما الواقعية الجديدة، ولا أدري ان كان اختيار الاسم مقصودا أم مصادفة، حيث حمل نفس اسم البطل «حسن»، في فيلم «سواق الأتوبيس»، لعاطف الطيب، هو أيضا لم يكن يحارب أعداءً خارقين، بل كان يحارب انهيار منظومة قيم بأكملها، مثل كل شخصيات سينما الواقعية التي كانت دائمًا محاصرة بظروفها، تجد كرامتها في أفعال المقاومة الصغيرة. «حسن» هو سليل هؤلاء الأبطال، لكن صراعه أكثر هدوءًا وربما لأسباب أكثر شخصية، فبينما كانت شخصيات الطيب وخان غالبًا ما تصطدم بقضايا اجتماعية واقتصادية كبرى، يبدو صراع «حسن» وجوديًا بالدرجة الأولى؛ إنه صراع من أجل الحفاظ على مساحة آمنة للحب والوفاء في عالم لا يعترف إلا بلغة المصلحة.
وهنا يأتي دور «رامبو»، الذي يبدو وكأنه المرآة التي يرى فيها «حسن» أفضل ما في نفسه، في مجتمع يضغط عليه ليتخلى عن مبادئه، يصبح الوفاء لهذا الكلب هو الفعل الأخلاقي الأسمى. هذه اللمسة الرمزية والشعرية تذكرنا بسينما داوود عبد السيد، الذي كان دائمًا يجد سبيلاً لزرع الأمل والرمز في قلب الواقع الأكثر قتامة.
امتداد لا استنساخ
فيلم «رحلة البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو» ليس استنساخا لسينما الثمانينيات، بل هو امتداد معاصر وذكي لروحها، إنه يثبت أن السينما التي تنبع من قلب الشارع وتلامس هموم الناس هي السينما القادرة على البقاء والتجدد، ولا تزال قادرة على إلهام جيل جديد من المخرجين.
خالد منصور مخرج وكاتب مصري. درس الإخراج السينمائي والكتابة في عدد من الورش السينمائية بمصر، تخرج في كلية الآداب، جامعة القاهرة. أخرج منصور ثلاثة أفلام روائية قصيرة، وهي: «جزيرة التوت»، «الدرويش» و«ليلتين شتا»، وشاركت في الكثير من المهرجانات المحلية والدولية، بالإضافة لحصوله على بعض الجوائز عن تلك الأفلام. كما أخرج عددًا من الأفلام الوثائقية القصيرة التي عرضت على الفضائيات العربية، ويعتبر فيلمه «البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو» أول أعماله الروائية الطويلة.
«القدس العربي»: