مقالات
الغالب والمغلوب وما بينهما تفكيك الإرث الثقافي الشعبي بقلم الاستاذ الدكتور عزالدين الدياب -استاذ جامعي -دمشق –
بقلم الاستاذ الدكتور عزالدين الدياب -استاذ جامعي -دمشق -

الغالب والمغلوب وما بينهما تفكيك الإرث الثقافي الشعبي
بقلم الاستاذ الدكتور عزالدين الدياب -استاذ جامعي -دمشق –
الظواهر والعلل والواقعات البنائية لأتحدث من فراغ وإنما هي مصحوبة بأسبابها المباشرة وغير المباشرة ومالها من نواميس تجعلها على هذه الصورة وتلك السحنة .ونرى في توجهاتنا لتفكيك العلاقة والتّأثير المباشر بين واقعة الغالب والمغلوب أن ننظر إليها بمنظار المنهج التفكيكيّ، الذي يبحث في الخلفيّة الثقافية للظاهرة، وما فيها من موروث ثقافي يمت في نشأته وتكوينه للحياة العربية وماله من قدم موغل في قدمه يعود للعصر الجاهلي وما قبله بل قل لحياة القبيلة وما أنتجت في جبلتها البتائية من عادات وتقاليد
وأعراف وقيم، وما فيها من بنية تحتية وآداب اجتماعية. وعملية التفكيك التي نقوم بها لواقعة الغالب والمغلوب تتطلب منا أن نستحضر مفهوم الإرث الثقافي في لغتنا العربية بوصفه المكون الثقافي للغالب والمغلوب. حتى نتعرف على بناه الثقافية المركبة والبسيطة، وما فيه من قديم موروث وجديد تنتجه الأجيال داخل البناء الاجتماعي وعلمتنا الحياة أن كل جيل ينتج عوائده بناء على قانون التحدي والاستجابة، من جهة، وما تفرضه ظروفه مصحوبة بتحدياتها وهمومها، وعلى إرثه الثقافي: ورث فلاناً المال ومنه وعنه(يرثه) ورثاً وإرثاً ووراثة: صار إليه ماله بعد موته-ويقال ورث المجد وغيره. وورث أباه ماله ومجده: ورثه عنه. فهو وارث[…..](الإرث ):ما ورث.(التراث) الإرث.و-القيم الإنسانية المتوارثة-المعجم الوجيز-القاهرة-1992-ص664.لكن الجيل وهو ينتج ثقافته، يرث من أجيال سبقته ومضت ،كما أسلفنا بعض عوائده وقيمهً ومنها ظاهرة الغالب والمغلوب.
ونستمر البحث في معاني الظاهرة التي ننوي تفكيكها لمعرفة بنيّتها وأصولها وفعاليتها داخل الشخصية العربيه، وما ينتج عنها من سلوك اجتماعي، وفعل ورد فعل، انطلاقا من حقيقة أنثروبولوجية ثقافية تقول بأنّ الثقافة تكون الإنسان وتنشئته.
(غّلَبَهُ)-غلباً، وغلبه: قهره .ويقال: غلب عليه.و-فلاناً على الشيء: أخذه منه كرها ،فهو غالبً.وغلاّبٌ-نفس المرجع-ص452″. ونستدل من فعل غلب، أنّ بين الغالب عمليه قهر، وأن يغلب الأخر، والسؤال الذي تطرحه المغالبة بين الغالب والمغلوب، هل فيها من الإرث الثقافي البدوي يوم كانت القبائل تغير على بعضها بسبب السلب والنهب والمفاخرة بالبطولة واسترداد الخلال من أغنام ومواشي وجمال ونساء ….إلخ وهل هذا الإرث في المغالبة بكل ما حملت من عناصر تحدها كتلة واحدة في واقعة المغالبة وهل نجد هذا الإرث في
الانقلابات العسكرية وصراع الأحزاب وما يتفرع عنها من فصائل متعاكسة متعالية بنفس قيمها البدوية الموروثة.؟
ونذهب نحو صراع الأحزاب السياسية في الوطن العربي خلال عقود الألفية الثانية والراهنة وما جرى من انقلابات وثورات وتغييرات في الأنظمة السياسية بحثا عن ظاهرة الغالب والمغلوب في هذه الأحداث وما فيها من موروث ثقافي بدوي وخاصة الغلبة المرفقة بالثأري وتشفي الغالب في المغلوب وهل نعتبر ما قام به فريق من فرقاء الثامن من أذار ضد الشركاء في الانقلاب من وازع عصبي قبلي/ بدوي وما أدخل فيه من أرواح وما سوغته القيم البدوية في استئصال “الطرف الناصري” وما تلاه من محاكمات مستندة إلى الثقافة البدوية في الاستئصال، هل نرى في التغيير الذي أجرته الفصائل المنتصرة على نظام الأسد في نهايات عام2024 صاحبه الاستناد إلى القيم البدوية الموروثة في تشكل الوزارات والمؤسسات، والمحافظات والوظائف التي تخص قربى العقيدة والصحبة والفصائلية والجيرة والمعرفة، والموروث الثقافي الذي يجعل صاحب التغيير، يراه من حقه وحق ربعه إولاً؟
المنهج التفكيكيّ الذي أخذناه في تفكيك البنية الثقافية للغالب والمغلوب، بحثاً عن الموروث الثقافي البدوي
يريد أن يقول لقوى التغيير في المجتمع العربي السوري، إن الغالب إذا أراد أن ينجح في إقامة مجتمع مدني تسوده العدالة الاجتماعية والتنوع الثقافي الذي يقوي الوحدة الوطنية والسلم الاجتماعي والأمن الوطني لابد أن يجعل في ثقافة الغالب والمغلوب مكاناً وسعة لرأي المغلوب، وأن يقوي التفاعل الخلاق بين مكونات الثقافة السورية، وأن يعطيه حقه كشريك في بناء الوطن ممارسة دور الشريك، وما هو عكس ذلك يعيدنا إلى ثقافة حرب المناذرة والغساسنة التي حولتهم إلى أتباع للفرس والروم، وفي هذه الحالة لا يغيب عن بالنا ظاهرة المناذرة والغساسنة في العدوان على العراق يوم تخالف عربان الخليج مع الحلف الأطلسي والمعارضة
العراقية التي ركبت الدبابات الأمريكية لتصبح عوناً للفرس ليس ضد النظام الوطني القومي العراقي ،وإنّما ضد العراق إرضاً وشعباً وتاريخاً وثقافة ومستقبلا ودورا قومياً عربياً في ما قلناه: جدلية تبادل الأدوار بين الأقطار العربية في معركة المصير العربي.
د-عزالدين حسن الدياب



