ثقافة وفنون

سينما يحيى حقي بين ظلال الحُب والحُزن والاغتيال والخُرافة

سينما يحيى حقي بين ظلال الحُب والحُزن والاغتيال والخُرافة

كمال القاضي

لم يأخذ أدب يحيى حقي نصيبه الوفير من التوظيف السينمائي، كما حدث لأدباء آخرين، فقد اكتفى كُتاب السيناريو والمخرجين باختيار عينات رأوا فيها اختلافاً جديراً بأن يظهر على شاشة السينما بشكل إنساني.
ولأسباب تتعلق بالمزاج العام للجمهور والظروف الإنتاجية والملاءمة الفنية والإبداعية، استقرت السينما المصرية على نماذج خاصة للغاية، لتكون أفلاماً لها اعتبار مهم، رغم نُدرتها وعدم مساواتها من حيث العدد مع أفلام أخرى، أخذت عن روايات لأدباء منافسين كانت لهم السيادة والهيمنة، مثل نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس ويوسف إدريس ويوسف السباعي.
ولطبيعة التناول وبراعة الإبداع الروائي جاءت رواية «قنديل أم هاشم» في مقدمة الأعمال السينمائية ذات الأهمية القصوى، فقد أنتج الفيلم الذي أخرجه المخرج كمال عطية عام 1968 وأحدث في حينه صدى واسع التردد، نظراً لجرأته في فضح وتعرية الجهل الذي يحول بين المُجتمع ونزوعه إلى التقدم العلمي، والتخلص من براثن التخلف المتراكم، عبر عقود وعهود جرت فيها مياه كثيرة في النهر، إلا أن رواسب الجهل والتأخر كانت لا تزال راسخة في قاع المجتمع البدائي الشعبي.
ولأن رمزية العمى في الرواية التي فقدت فيها البطلة بصرها نتيجة الإهمال، كانت قوية وارتبطت ارتباطاً مباشراً بالتواكل والانقياد الساذج وراء الخرافة، كان التأثير بالغ الوطأة على المُتلقي الذي تابع بكل حواسه تفاصيل الأزمة الإنسانية والمرضية للفتاة الضحية التي كانت كبش فداء، وأصيبت في مقتل جراء الممارسات الاجتماعية الخارجة عن أطر التعليم والتقدم والمدنية. ولكيلا يوصم المجتمع كله بالجهل، جعل الكاتب يحيى حقي في روايته الاستثنائية بصيص نور يتسلل للحارة المصرية، عبر ثغره فتحها الطبيب الشاب العائد من أوروبا، بعد دراسة مستوفاة لطب العيون، حيث بدأ في بحث الحالات المُستعصية لأمراض الرمد الشائعة في حي السيدة زينب الشعبي في القاهرة، لإيمان البسطاء من الناس بأن زيت قنديل أم هاشم «السيدة زينب» هو دواء مبروك يشفي كل الأمراض، خاصة أمراض العيون التي تحجب الرؤية وتسجن المريض خلف ظلام دامس!

مشهد من فيلم «البوسطجي»

تلك كانت النواة الصُلبة للرواية الأدبية، التي استلهم منها السيناريست صبري موسى موضوع الفيلم الأهم في تاريخ السينما المصرية، بشخصياته وأجوائه وأبطاله، شكري سرحان وسميرة أحمد وأمينة رزق.
وفي مُعالجة مُتشابهه نسبياً من حيث الموضوع، قدّم يحيى حقي أيضاً روايته الثانية «البوسطجي» ليتم تحويلها لفيلم آخر باتفاق مع السيناريست صبري موسى، ففي هذه المرة أشار يحيى حقي إلى قضية أخرى لها الخطورة والتأثير ذاتهما، فهي تحمل كسابقتها جنين الجريمة بين طيات تفاصيلها المُرعبة والقاسية، فهو يطرح بوضوح مفهوم الشرف لدى الأب الجنوبي الذي يعيش هو وزوجته وابنته الوحيدة في إحدى قرى صعيد مصر، ويدلل على طبيعة البطل الصارمة بتحديه لعواطف ابنته البريئة تجاه زميلها في المدرسة الثانوية الداخلية.
فثقافة الرجل الريفية تحتم عليه عزل ابنته عن العالم الخارجي المُحيط بها، رغم حرصه على تعليمها، وحين يقع المحظور نتيجة الحصار المُشدد عليها واستسلامها لمشاعر الحُب المُلتهبة، ورغبة الشاب فيها كزوجة وحبيبة تأتي الكارثة الكُبرى مُحققة في اغتيال الفتاة وهي لا تزال في سن المراهقة والأحلام الوردية، تُقتل غدراً بيد الأب. ويقف البوسطجي الذي طالما حمل رسائل الحُب والود بين الحبيبين عاجزاً أمام جبروت الجهل وبطشه، وتنتهي الرواية وأحداثها السينمائية نهاية مؤسفة ليبقى الحُب يتيماً بلا حماية، ويظل الموروث القبلي سائداً ومهيمناً ويسجل يحيى حقي في دفتر الأحوال الاجتماعية أدلة الإدانة الدامغة على قسوة الأحكام والمعايير الأخلاقية في البيئات النائية البعيدة، التي رمز إليها بقرية كوم النحل مسرح الأحداث الواقعة في ثلاثينيات، أو أربعينيات القرن الماضي.
تبقى الصورة السينمائية الثالثة المُستوحاة من أدب يحيى حقي فيلم «امرأة ورجل» إنتاج 1971 للمخرج حسام الدين مصطفى وسيناريو وحوار فيصل ندا، بطولة ناهد شريف ورشدي أباظة وتوفيق الدقن، فالصورة تتكون من توليفة عاطفية إنسانية تلعب فيها المرأة الدور الرئيسي، فهي على حد التناول الدرامي للقصة مصدر الغواية ومبعث الصراع بين الحبيب والغريم، فهناك أكثر من محور لتفاصيل داخلية تؤكد إدانة البطلة حميدة «فتاة الليل» التي تشتعل بسببها الحرب بين جاسر، الذي يعمل في أحد المحاجر وتربطه بحميدة علاقة عاطفية، وغريمة متولي الذي ينازعه في هذا الحُب.
الفيلم تتسم أحداثه بالإثارة والتشويق ويطرح وجهة نظر الكاتب في الصراعات المتكررة من هذا النوع، نتيجة عدم وجود مناخ صحي للتعبير عن المشاعر والعواطف بطريقة مشروعة، وفي إطار اجتماعي مقبول نظراً لعوامل كثيرة من أهمها، الفقر والجهل والخوف وهي ثلاثية كفيلة بتدمير أي بناء اجتماعي والقضاء عليه.
هذه بعض الملامح من فلسفة الكاتب الروائي يحيى حقي تتصل بما نقلته السينما في نماذج الأفلام المذكورة سلفاً عبر مراحل مُختلفة.

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

Thumbnails managed by ThumbPress

جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب