
وعّاظ السلاطين…د. محمد الحسامي/ اليمن
يقول إبن رشد: “التجارة بالأديان هي التجارة الرائدة في المجتمعات الذي ينتشر فيها الجهل”. ويقول أيضا: “إذا أردت أن تتحكم في جاهل، عليك أن تغلف كل باطل بغلاف ديني”.
ويقول د. علي الوردي في كتابه “وعاظ السلاطين”: “لقد صار الوعظ مهنة تدر على صاحبها الأموال وتمنحه مركزا اجتماعيا لا بأس به، فلهذا يحترفها كل من فشل في الحصول على مهنة أخرى البقاء فريق السلاطين من جهة، وفريق الثوار من جانب أخر”.
فـ”وعّاظ السلاطين يتركون الطغاة يفعلون ما يشاؤون ويصبون جلّ اهتمامهم على الفقراء، فيبحثون عن زلاتهم وينذرونهم بالويل والثبور.” و”يرى البعض في هذا العصر أن الدين يدعو الشعوب إلى الخضوع والإستسلام لحكامهم الظالمين.
وهذا الرأي ينطبق على الدين المتسأجر الذي يستخدمه الطغاة أما الدين الذي يأتي به الأنبياء المنذرون فهو دين الثورة”.
ويقول آخر: إذا رأيت رجل دين أصبح غنيا بعد فقر، أصرخ بأعلى صوتك : هذا لص هذه الظاهرة “ظاهرة وعاظ السلاطين والسلطات” ليست خاصة بالجانب الديني العقائدي فقط ومقتصرة به وسمة خاصة له ممثلة بأولئك الذين يرتدون الأقنعة الدينية!..
صحيح بأنها تعتبر الأكثر تأثيرا، لكننا نجد بأن هنالك الكثير الكثير الكثير والمثب والكثير من وعاظ وواعظي السلاطين والسلطات الذين يرتدون الأقنعة لكثير من الايدلوجيات الأخرى الغير دينية لا تقل تأثيرا عليها….
بل الأدهى من ذلك والأمر هو أن تجدهم في الوقت الذي هم فيه بعيدون كل البعد عن السلوكيات الظاهرية الدينية التي يتميز بها وعاظ السلاطين والسلطات الدينيين، إلا أنهم يستغلون تلك النصوص..وتلك التفسيرات الخاطئة لها لتحقيق مصالحهم…متى استدعت الضرورة لذلك من قبلهم…. فتلك الظاهرة ليست خاصة بجانب من الجوانب.. أو دين من الأديان.. أو عقيدة من العقائد.. أو مجتمع من المجتمعات.. وشعب من الشعوب.. وأمة من الأمم., أو مرحلة معينة من المراحل التي تمر بها المجتمعات البشرية عبر تطورها…. فلكل مجتمع وشعب وأمة ظاهرتها الخاصة بها، وفقا لدرجة تطورها ومن ثم الطريقة المناسبة التي تتناسب مع ذلك التطور..
والأمثلة على ذلك كثيرة، لا يتسع المجال هنا لذكرها… فعندما يكثر بناء دور العبادة.. ويزدهر ويكلف ملايين الدولارات وعشراتها في مجتمعات فقيرة ومتخلفة يعاني الغالبية العظمى من أبناءها من شظف العيش والجوع والفاقة، وتنتشر فيها الأمية والجهل والتخلف، وتتفشى فيها الأوبئة الخطيرة التي تفتك بما تبقى من تلك الأجسام النحيلة، وتصبح وقتئذ مرتعا خصبا للرذيلة.
في الوقت الذي ترى فيه أولئك القائمين على تلك الدور…في أبهى حلة وأرغد عيشة في الملبس والمأكل والمشرب والمسكن، يسكنون الفلل الفارهة ويلبسون الثياب المطرزة ويأكلون أفخر الطعام وما لذ منه وطاب، ويستقلون السيارات الفارهة الباهظة، ويتزوجون النساء الحسناوات والجميلات، مثنى وثلاثا ورباعا، ويطلقون ويتزوجون ويتزوجون ويطلقون مرات ومرات ومرات، يدرسون أولادهم ويعلموهم في أرقى وأفخم المدارس والمعاهد والجامعات الخاصة دون أن يأبهون بهم وبتصرفاتهم وسلوكياتهم مهما بدت تلك التصرفات والسلوكيات…. يفعلون كل ذلك جهارا نهارا وليلا، متفاخرين ومتباهين بكل ما يقومون به ويفعلونه، باعتبار تلك نعمة من الله نزلت عليهم وحلت بهم ووجب عليهم إظهارها كنوع من الشكر لمن حباهم ذلك وأنعم عليهم بها…., وهذا هو شكر النعمة كما يرونه هم… يرى ذلك كله في الوقت الذي لا يفعلون شيئا ملموسا من أجل التخفيف من تلك المعاناة وتلك الآلام وتلك الأوجاع وتلك الفاقة وذلك الفقر والمرض وتلك الجهالة والرذيلة وذلك التخلف الذي تعاني منها مجتمعاتهم والمنتشرة فيها والتي تكاد تقضي عليها، إنما يكتفون بالوعظ والإرشاد والنصح والنصيحة من على منابر تلك الدور…وعبر الأشرطة المسجلة والكتب والكتيبات المطبوعة، وفي أغلب الأحيان يتم توزيع تلك الأشرطة وتلك الكتب والكتيبات مجانا وذلك لغرض في نفوسهم المريضة.., وعبر مجالسهم الخاصة والعامة، محملين مجتمعاتهم والبسطاء من الناس وعامتهم ودهمائهم وزر ماهم فيه..وعليه من البلاء، وبأن ذلك عقابا إلهيا حل بهم ويستحقونه نتيجة بعدهم عن الطريق القويم والسليم الدينيين، طبعا بحسب رأيهم، مستغلين النصوص الدينية ومفسرين لها تفسيرا خاطئا فيما يتوافق مع نزواتهم ورغباتهم وأهوائهم ونزوات ورغبات وأهواء أولياء نعمتهم من الحكام والسلاطين والأمراء والملوك…إلخ وعندما يقوم أولئك البسطاء من عامة الناس ودهمائهم بالاحتجاج والسخط وحتى التمرد على تلك الأوضاع التي هم فيها..وعليها.., قامت قيامتهم وشحذت ألسنتهم وكثرت خطبهم سخطا عليهم وتحذيرا لهم وبأن ما يقومون به يعتبر خروجا عن الدين والملة يستوجب العقاب الدنيوي عليهم من قبل أولئك الحكام والسلاطين والأمراء والملوك في أشده وأقساه وأفظعة ،حتى لو كان ذلك فيه سلبهم حياتهم الوجودية منهم بعد أن سلبت إنسانيا وآدميا في الأساس، وبأن ذلك يستوجب العقاب الأخروي من قبل خالقهم، فالنار وبئس القرار مصيرهم ومآلهم،…إلخ وقتئذ وعندئذ وساعتئذ وحينئذ ومكانئذ يكون دين الله الحقيقي قد حرف وزيف ودنس واستغل إستغلال سيئا من قبلهم، لصالح الحكام والسلاطين ولصالح الحكومات والسلطات ولصالحهم هم ومصالحهم جميعا، وتحول من “دين الله” إلى “دين السلاطين والسلطات” ومن سار معهم وسايرهم وسبح بحمدهم ونطق بشكرهم وفي مقدمتهم أولئك الفقهاء والوعاظ والواعظين الذين يشرعنون لهم ويشرعون لهم شرعنة وتشريعا دينيا لما يقومون به..ويفعلونه.., والتاريخ الماضي والحاضر المكتوب والمحكي والمروي وماهي فيه تلك المجتمعات..وعليه..خير شاهد وأنصع برهان ودليل وأقوى حجة دامغة على ذلك كله……إلخ إنه الإستغلال السيئ والمقيت للمعتقدات الدينية وللنصوص الدينية….إلخ إنه تدنيس المقدس..بغير المقدس، المدنس أصلا، ومن ثم تقديسه….إلخ إنهم فقهاء ووعاظ وواعظي السلاطين والسلطات….إلخ إنه ” دين!! السلاطين والسلطات”، “دين! الفقهاء والوعاظ والواعظين”، وليس “دين الله”..
إنها الثورة الفكرية التنويرية ضد ذلك الدين المزيف! وإعادته إلى جوهرة التوحيدي الحقيقي، “دين الله”…