تحقيقات وتقارير

واشنطن تستميل جناح حقّاني: بوادر انفتاح على «طالبان»

واشنطن تستميل جناح حقّاني: بوادر انفتاح على «طالبان»

خضر خروبي

في مؤشّر إلى تليين لهجتها تجاه حركة «طالبان»، مقارنة بإدارة الرئيس الأميركي السابق، جو بايدن، والتي كانت تتشدّد في شروط رفع عقوباتها عن الجماعة الأفغانية، أعلنت الإدارة الأميركية الجديدة، إلغاء مكافآت مالية قدْرها 20 مليون دولار بحقّ ثلاثة من قادة الحركة، من بينهم سراج الدين حقاني، وزير داخليتها، وقائد «شبكة حقاني»، الجناح الطالباني المُصنَّف أميركيّاً كـ»منظمة إرهابية»، والمتّهم بالوقوف خلف سلسلة تفجيرات، من ضمنها هجوم طاول السفارة الأميركية في كابول عام 2011.

وعلى رغم أنّ الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، طالب سلطات كابول، في بداية عهده، بإعادة ما قيمته 7 مليارات من الأسلحة الأميركية، والتي زعم أن بلاده تركتها وراءها عقب انسحابها من الأراضي الأفغانية عام 2021، إلا أنّ قراره الأخير جاء استكمالاً لجولات تفاوضية مستمرّة منذ نحو عامين، عُقدت بوساطة قطرية في الدوحة. والمفاوضات هذه التي تركّز على جهود استعادة رهائن أميركيين، أسفرت، أخيراً، عن إطلاق سراح جورج غليزمان، وهو ميكانيكي طائرات أميركي تحتجزه الحركة منذ كانون الأول 2022، وقبلها بأسابيع قليلة عن تحرير رهينتين أُخريَين، هما: رايان كوربيت، وويليام ماكينتي.

خلفيات إنسانية لـ»طالبان»؟

وممّا استوقف مراقبين، هو أنّ قرار واشنطن إلغاء المكافآت المالية ضدّ كل من سراج الدين حقاني، وشقيقه عبد العزيز، وابن عمهما يحيى، تزامن مع كشف «طالبان» عن زيارة قام بها المبعوث الأميركي المؤقّت لشؤون الرهائن، آدم بولر، رفقة المبعوث الأميركي السابق الخاص بشؤون المصالحة في أفغانستان، زلماي خليل زاد، إلى كابول، بهدف عقد محادثات مع مسؤولين في الحركة، ما أوحى بإمكانية أن تشهد العلاقات الأميركية – الأفغانية انفراجة في المستقبل.

وعلى رغم إصرار زعيم «طالبان»، هيبة الله آخوند زاده، المحسوب على الجناح المتشدّد في الحركة، على أهمية ما يسمّيه «عدم الانصياع» لضغوط واشنطن، ومن ضمنها مذكّرة توقيف صدرت عن «المحكمة الجنائية الدولية» بحقّه، في كانون الثاني الماضي، على خلفية سياساته المتشدّدة ضدّ النساء، أكّد الناطق باسم وزارة الداخلية التابعة لـ»طالبان»، عبد المتين قاني، أن الحركة «عقدت اتفاقاً مع الولايات المتحدة» لإلغاء المكافآت المالية ضدّ حقاني وآخرين من كوادرها، مشدّداً على أن خطوة إدارة ترامب تحمل «إنجازاً كبيراً للإمارة الإسلامية»، بينما أشارت وزارة الخارجية في الحكومة نفسها إلى أنّ إطلاق سراح غليزمان كان «لأسباب إنسانية»، مضيفة أن الوفد الأميركي المصاحب لبولر تباحث مع الدبلوماسيين الأفغان حول مسائل عدة، من بينها «العلاقات الثنائية، وملف تبادل السجناء، فضلاً عن التباحث في كيفية تسهيل وصول الأفغان المقيمين داخل الولايات المتحدة إلى الخدمات القنصلية».

في المقابل، وصف وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، في منشور عبر منصة «إكس»، ما جرى بـ»الخطوة الإيجابية والبنّاءة»، محذّراً من أن إدارته قد تعود عن قرارها إلغاء المكافآت المالية عن حقاني، أو أن تعمد إلى إضافة أسماء جديدة إلى قائمة المطلوبين لديها في حال لم يتم الإفراج عن المزيد من الرهائن الأميركيين في أفغانستان.

رهانات أميركية على انشقاقات في «طالبان»؟

وتوقّفت صحيفة «واشنطن بوست»، من جهتها، عند واقعة الإفراج عن غليزمان، مشيرة إلى أنها جاءت نتيجة زيارة بولر إلى كابول، والتي تُعدّ «أعلى مستوى من الانخراط الدبلوماسي الأميركي المعلن مع سلطات أفغانستان، منذ استيلاء حركة طالبان على السلطة عام 2021»، فيما لمّحت صحيفة «نيويورك تايمز»، بدورها، إلى أن خروج التفاعل بين «طالبان» وإدارة ترامب إلى العلن، ربما يكون قد لعب دوره في تيسير الوصول إلى الانفراجات الأخيرة، مؤكّدة أنّ الاجتماعات التي عقدها مبعوث إدارة ترامب مع مسؤولي «طالبان»، جاءت في أعقاب «تفاعلات (دبلوماسية) متوتّرة ومشحونة جرت بصورة غير مباشرة بين الجانبين».

واعتبرت الصحيفة الأميركية أنّ إلغاء المكافآت المالية بحقّ حقاني وآخرين يشكّل «تحوّلاً كبيراً» من قِبَل إدارة ترامب تجاه بعض قادة حركة «طالبان»، مشيرة إلى محاولات هؤلاء «إعادة تظهير أنفسهم كصوت أكثر اعتدالاً داخل الحركة». وذهبت إلى القول إنّ ما أقدم عليه ترامب قد «أعطى زخماً جديداً لجناح في طالبان لطالما مارس ضغوطاً على سلطات كابول للتراجع عن سياساتها المتشدّدة، بدعوى كسب قبول أوسع للحركة على الساحة العالمية»، موضحة أنّ ذلك «يمثّل تغييراً ملحوظاً في السياسة الأميركية تجاه سراج الدين حقاني، في ضوء سعي الأخير، على مدى السنوات الثلاث الماضية، إلى إعادة صياغة صورته وانخراطه في محادثات مع الغرب عبر قنوات خلفية، على أمل كسب دعم أجنبي» في وجه التيار المتشدّد الذي يمثّله هيبة الله آخوند زاده.

وفي هذا الإطار، قال الباحث المتخصّص في شؤون أفغانستان في «مجموعة الأزمات الدولية»، إبراهيم بهيص، إن الاتفاق بين «طالبان» وواشنطن أثبت أن الحركة «قد طوّرت نهجاً جديداً يقوم على دبلوماسية المقايضة»، وأن لدى كلا الجانبين رغبة في «إظهار أحدهما حسن نيته تجاه الآخر». وبالحديث عن علاقة الاتفاق برهان أميركي على ترجيح كفّة بعض أجنحة الحركة، اعتبر بهيص أنّ الاتفاق يمكن النظر إليه كـ»انتصار لمعسكر الحوار (مع الغرب) داخل طالبان، بحيث سيمكّن الشخصيات الأكثر اعتدالاً من التوجّه إلى جناح المتشددين ومُحاجَّته بأن هذا هو نوع المعاملة بالمثل الذي يمكن طالبان الحصول عليه مقابل التسويات التي تنشدها» مع المجتمع الدولي، في إشارة إلى مساعي الحركة للحصول على اعتراف دولي والوصول إلى احتياطيات البنك المركزي المجمّدة لتخفيف الأزمة الاقتصادية المتفاقمة في البلاد.

من جهته، رأى مدير معهد جنوب آسيا في «مركز ويلسون» في واشنطن، مايكل كوغلمان، أن التفاهمات بين «طالبان» وإدارة ترامب لا ترقى إلى أن تكون «مؤشّراً إلى توسيع انخراط الولايات المتحدة دبلوماسياً مع طالبان»، مشيراً إلى أنّ «لدى الإدارة الأميركية أهدافاً محدودة في أفغانستان، ما يجعلها غير راغبة في أن تُتيح مساحة سياسية واسعة لتطوير علاقاتها مع نظام لا تعترف به». ورجّح الباحث الأميركي أن يكون تحرير غليزمان «خطوة تكتيكية، أكثر من كونه تبلوراً لاستراتيجية أوسع للانخراط دبلوماسياً» مع سلطات «طالبان».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Thumbnails managed by ThumbPress

جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب